فتاة الزاوية .. قصة قصيرة

بقلم- مشاري الوسمي

في إحدى الزوايا تجلس فتاة القلم.. سميت بذلك لأنها لا تتكلم ولكن تسمع جيداً فترد على مخاطبة الناس لها بكلمات قصيرة.

هذه الفتاة تجلس كل يوم بنفس الطاولة، ممسكة بذات القلم وغالباً ماتكتب نفس الكلمات، نظراتها دائماً حائرة ومشتتة لا يعنيها مايدور حولها، ولا يلفت انتباهها الحركة والإزعاج المحيط بها، كنت أُراقبها من بعيد، وفي بداية الأمر توقعت أو شككت إنها صماء، لكنها كانت تلتفت لأي سؤال موجه لها.

في هذه اللحظة وقفت تلك الفتاة، فعدتُ من شرود ذهني وأخذت أنظر إليها دون تركيز، لأراها وهي مغادرة ولكن حدث مالم يكن في الحسبان..سقطت أوراقها وتناثرت على الأرض، وبدون وعي مني ركضت مساعداً لها، وحين أنتهيت رمقتني بنظرة امتنان وكانت شاكرة الملامح، ولكنها لم تكتفي بل حركت شفتيها قائلة شكراً لك. تركتني وسط ذهولي ورحلت، ليست بارعة الجمال لكنها غامضة لحد السحر. أخذت بضع ثواني أُلملم فيها حواسي واستفيق من دهشتي، وحين أردت النهوض لمحت ورقة بيضاء غفلت عنها ولم أجمعها مع باقي الأوراق، وجدتها وكأنني سوف أجد أول خيوط فك الغموض وبطلان السحر الملقى عليَّ ذلك الوقت..ولكن سرعان ما اهتزَّ بدني وتجمدت أطرافي، فقد كانت هذه الفتاة تحاول رسمي أو على الأقل ملامحي العامة.

في البداية تخيلت انه من بنات أفكاري وأمنيات لعقلي الباطن لماذا أنا بالذات فالمكان يعج بالناس..!! وبالكاد تستطيع تمييز الحاضر والمغادر من هذا الزحام بين الطاولات الضيقة وأصوات الصحون الصاخبة، غادرت إلى منزلي وسط ذهولي وإحساسي بالوهن والضعف من التفكير..لماذا أنا بالذات ؟!!

في الصباح خرجتُ مسرعاً من البيت متجهاً لتلك الزاوية لعلني أجد الإجابة ويطمئن قلبي وتسكن جوارحي، لكنها لم تأتي، أنتظرت ساعات وساعات ولم تأتي..حل الظلام وعدتُ لبيتي مستسلماً ولكني لم أفقد الأمل سوف تأتي غداً وغداً وغداً … مرت الأسابيع والشهور ثقيلة دون جدوى..احتفظت بالورقة وعلقتها في منتصف غرفة الجلوس وكأنها تُذكرني بها وبرائحتها ورائحة قهوتها. وحين تملكني اليأس ذهبت لأحد العاملين في المكان وسألته عن فتاة الزاوية، ورد عليَّ بإندهاش وقال لم يكن أحدٌ يجلس في ذلك المكان غيرك منذُ شهور !!!أنتَ الذي غيرت مقعدك في الآونة الأخيرة ولم أعلم ماالسبب !!؟

أنا..!! أنا..؟؟ أجل أنا من صنعتُها في خيالي وأعطيتها قلماً لترسمني بروحها محركة يدي، أنا من أوجدتها وكأن الله لم يخلق غيرها من النساء، أنا وأنا وأنا …!!!
مجنونها الذي عشتُ سنيناً اعزف لها وأدركتُ أخيراً إنها صماء، غادرتُ المكان تاركاً زاويتي التي سكنتها بروحها وأشفقتُ على قلبي الذي مازالَ مُلكاً لها ..

2 thoughts on “فتاة الزاوية .. قصة قصيرة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: