أهديتُ طفلي قبراً.

مشاري الوسمي .

أُناديه فلا يسمعني، أُحادثه فلا يرد عليّ، أضع وجهي بوجه صارخاً مُحذقاً في عينيه فلا أرى فيهما إلا الشرود و الضياع، هذا ليس بمرض يعتريه أو حتى حالة نفسية تتجسده، بل هو الكائن الإلكتروني المسيطر عليه، فلا يرى غيره و لايعيش إلا بداخله، أوجدَ له عالمٌ اختطفه مني و من عالمه الحقيقي ..

طفلي يسكن هناك و يرفض أن يغادر، وأكثر الأحيان يرفض حتى مغادرة المنزل ومخالطة الناس، لا يستجيب لأي مثير حوله فهو بداخل قبره الإلكتروني ولا علاقة له بهذه الحياة .. أتذكر جيداً تلك اللحظة التي دخلنا فيها إلى محل ألعاب الفيديو، كانت وجوه أطفالي بريئة ونظراتهم ثاقبة وذكية تعلو شفاههم إبتسامة السعادة .. فها هم يحصلون على ماحصلَ عليه أقرانهم الصغار وتساوت الرؤوس .. وما كنتُ وقتها أعلم أنني أهديهم قبراً يسكنون فيه وينعزلون عن ما حولهم في هذه الحياة .

سمعتُ عن أطفالاً أبرياء أقدموا على زهق أرواحهم دون ذنب ارتكبوه، سِوى أنهم أغلقوا أعينهم وسدوا أذانهم عن متعة الحياة النقية والطهارة، وأستمعوا لأحاديث أبليس وأعوانه من بني البشر، تلك الأعين البريئة والقلوب الغضة النقية سُلبت منا وسَلبت معها أرواحنا وتفطرت قلوبنا .. سامحني يا طفلي ما كنتُ أعلم أن تدمير جهازك العصبي والحسي سيكون ثمنه هديتي إليك، فمهما حاولت اليوم أن أضع بينك وبينه حاجز فلن أنجح وستكرهني وتتمنى أن أختفى وتبقي معه بمفردك، لا يحول بينكم حائل ولا تعيش إلا معه .. ولن تتعلم من هذه الدنيا شيء إلا من خلاله، فحتى في مناسباتنا الكبيرة وأجتماع القريب والبعيد يظهر هذا الجهاز بيننا، إما بحركات أو رقصات أو كلمات لا يعلم مدلولها سِواهم.

هذا الإلكتروني أخذ منك يا بُني أكثر مما أخذت منه، ضعف في السمع، جفاف في العين، إرتعاش في الأصابع، ومشاحنات لا حصر لها بين الإخوة، وانتشار ظاهرة السرقة بين الأطفال للحصول على حسابات ذات قيمة أعلى، وكره وبغض بين العوائل بسبب هذه الممارسات الطفولية المصقولة بأوامر عفريت ألعاب الفيديو، وخدش للحياء وتجاهل لأحكام الدين و إستحلال المنكر وغيرها الكثير..

طفلي وإن شُقيت كيف أسعد، وإن أُبتليت كيف أهنأ.. أطفالنا أمانة، فهم زرع اليوم وحصاد المستقبل، أساس اليوم وبنيان غداً ..
اللهم أحفظ أبنائنا بعينك التي لا تنام .

دمتم بخير ..

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: