مدفأة الحنين..

مشاري الوسمي
رئيس التحرير

في صمت الليالي الباردة، هزيز الريح الذي لا يهدأ، ومساحات الوحدة التى باتت داخل صدري شاسعة، أحسست بغصة الفراق القديم، كأن الجراح على إتفاق مع لسعات البرد القارسة، فتغزو كلٌ منهما بتتابع جسدي الضئيل، منهك الأطراف، خائر القوى .

أنهض بثقلي متكئًا على كرسي أعياه الزمن، تحللت زواياه و باتت وسائده هرمةٍ كمن يستند عليها ليلًا نهارًا .

أسير بين الناس، وفي الطرقات لا تعنيني الوجوه، ولا تشدني همسات البشر، أمضي لوجهتي وكأنني أعيش وحدي في كون لا تشملني رحابة مساحته ولا اتساع أفقه فأنا قد اخترت أن أعيش في الزوايا وبين المنحنيات.

تصادفني تفاصيل البشر ويطلعني الله على بعض خفايا النفوس دون جهد مني أو تعب، لكنني أغض الطرف و أصم الأذن، فليس لي شأن في تصنيف أبجديات الناس.

يمر زخم اليوم وازدحامه، انسل من بين ذلك مبتعدًا و مهرولًا لزاويتي على مقعدي الهرم، بين رائحة الخشب ونفحات البرد القاسية.

أرفع راسي للسماء وأغمض عينيَّ ببطء، فيلفني الحنين بوشاحه الشيرازي الصنع، يتسلل الدفء إلى أوصالي وتبتهج مخيلتي بذكرى من عشقت. يتحول الشتاء إلى ربيع ، رائحة الحطب إلى أنفاس الورد، صوت الريح إلى تغريد العصافير وضحكات الأطفال الدافئة .

مع ذكراها تتبدل الحياة، تختلف الأحاسيس، يبدع الخيال برسمها واستحضارها، يتغنى القلب طربًا بمن أغدقت عليه بحنانها وحنينها ودفئها الذي فاق الفصول بوصفه وجمال محياه.

يأسرني الحنين فأفقد سيطرتي على ذاتي وأغوص معها إلى سراديب الحُبِّ والجمال، تلقي عليَّ تعويذة الحياة فأعود إلى ريعان الشباب أنضح طاقةً وأملًا، لا يعيقني خوف أو تردد من غدٍ، فهي محرابي و ملجئي، صومعتي عند الهروب وحين تنتهي بي الطرقات .

أفتح عينيَّ من جديد فلا أجدها، كسرابٍ كانت تفرح القلب والروح، لكنها سراب وإن أطالت البقاء.

أقف على قدميَّ فلا تحملني، أسحب خطواتي المثقلة وأفتح نافذتي علها تخرج من داخلي، أستنشق الهواء بقوة فلا تمتلئ رئتي إلا بها، أخرجها ببطء فتأبى، ملكتني طواعيةٍ و حُبًّا مني .

كيف أقسوا على روحٍ استوطنت واستعمرت كل ما بداخلي فأصبحت بعضها وهيَّ غدت كلي .

يصيح الديك و يعلو الصبح وأنا في صراع بين برد الشتاء ودفء الحنين، تلك رواية لن تنتهي إلا برحيل الأجساد واختناق الأرواح ورد الأقدار.

دمتم ودامت لكم أرواحكم وبيوتكم الدافئة.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: