شاهِدني وأنا أتشظى

بقلم : شوق محمّد .

تعلّمت بأن النُضج لا يأتي دفعةً واحدة بل جرعات صغيرة تأتي على شكل آلاماً تتوالى لتجُس نبضك وتُشعرك بأنك على قيد الحياة، تعلّمت أن المرء جزئًا من كُل شيء وكل شيء جزئًا مِنه.. فهو يمضي في حياته يكتسبُ ويُكسِب، يعبُر ويُعبَر من خلالِه فيتركُ من حمضهِ النووي أثراً على كل شيء يلامسه .

نحنُ لا نعيشُ أبداً، بل نتجزأ، ننشطّر وننقسم لآلاف الذرات مِثل الخلية الأولى التي حملت بها حواء من آدم والتي انقسّمت و انشطرّت وتشظت لتُصبح قبائل وأعراقاً وشعوباً وحضارات ولُغات وحُقباً تاريخية مُتجذرة وإرثاً بشرياً يعجزُ الإنسان الحديث إحصائه وحصره حتى بمساعدة كُل الآلات التي طورها والذكاء الاصطناعي الذي إبتكره ..

لقد عبَر تاريخنا الملايين من قصص الحُب والحرب والسِلم والثورة وبليارات الأحلام التي اختلطت بالدموع وذُرفت من أعين غدت الآن نفطاً يُباع ويُشترى.. لقد عبرَت الخلية الصغيرة التي كانت في رحم حواء فوق الخرائط والحدود والخنادق والكهوف والصقيع البارد والصحاري الحارّة وشهَدت آلافاً من الأزمات والأوبئة ومُعجزات الرسل وخرافات الكهنة .. هل كانت حواء تتوقع وهي تتحسسُ بطنها براحة يدها في الشهور الأولى بأن كل ذلك سيتجذّرُ منها ..؟

نحنُ سواءً شئنا أم أبينا نِاتج تراكمات من التطورات والطفرات الجينية التي بدورها سوف ينتُج عنها طفرات أخرى سواءً إتخذنا الحياد أو بادرنا بالتأثير، وجودنا بحد ذاتِه يعتبر تأثيراً ويساهم في مُنحنيات طويلة الأمد، نحنُ لا نعلم أي عادة يومية أو فكرة تافهة أو فعلاً صغيراً يصدرُ منا سيُحدث كارثةً تاريخية بعد ألف سنة .. نحنُ في هذه الحُقبة الزمنية المليئة بالإبداع الفكري والمعيشي نحيا ضمن أكثر الأزمنة إنتشاراً للتأثير، وأسرع الحُقب الزمنية تجزءًا على الإطلاق .. أنت الآن تترك أثرك عالقاً في الكثير عن طريق تغريدة أو بوست أو حتى تعليقاً تحت مقطع فيديو مدته دقيقتان، الفكرة التي تلقيها في أحد الزوايا قد تسافر إلى أبعاد قد لا تتصورها وبدون مصدر أو مرجِع أو أشرعة ..

لذا وأنت تتجزأ وتذوب في هذا العقد السقيم من الزمان حاول أن تفعلها بالشكل الصحيح وتذوب بتأني وحكمة وتجعل مِن إنصهارِك رسالة تقول بأن الشُهب وهي تتناثر في الفضاء وتومض ومضتها الأخيرة وتختفي بالعدم قد تُشعل الظلمة في أعين أحدهم وتُهديه قبل الإنطفاء إلى الطريق ..

رئيس التحرير

رئيس التحرير

%d مدونون معجبون بهذه: