عناق الروح

سحر الشيمي

يعانق ظلام الليل أطراف السحر ثم تشرق الشمس لتعلن فراقه ببدء عناقٍ جديد للفجر.

هكذا يتعاقب على الأرض فراقٌ ولقاء لعناقٍ يبدأ وآخر ينتهي.
منذ خلقة الجنين في رحم أمه، يبدأ بعناق الحبل السري الذي يمده بأسباب الحياة والأمان وهذا أول عناق للحياة !.. عندما نسمع كلمة عناق نرسم في مخيلتنا صورة العناق المحسوس بين شخص وآخر بدنو عُنُقَه من عُنُقِه وضمَّه إلى صدره، فيكون العناق اوضح لغة للجسد تعبر عن الشوق، المحبة والاحتواء ..

لكن في الواقع العناق لا ينحصر على هذه الصورة وإنما هناك أنواعًا للعناق منها، عناق اليدين، عناق العين بالنظر، عناق الفكر و عناق الروح !.. يتبادر الى ذهني سؤال.. أي من العناق يفني ويبلى وأي منها يخلد ويبقى ؟!..تأملت في قوله تعالى ؛(فَلَوْلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ) الروح عند خروجها من الجسد اخر مكان تغادره هو العنق وهو موضع العناق ؟! تفكرتً للحظة في ذلك ليأتيني الجواب الشافي أن أي عناق محسوس ينتهي بخروج الروح سواء عناق جسد أو يد أو نظر .. الخ .

ولكن هناك عناق لا يتوقف ولا ينتهي، انه عناق الروح ؟!..
ونلمس ذلك في عناق أرواح المحبين بتشابهها وتآلفها في الأفكار الكلمات، الأفعال، الإحساس و الشعور لقوله عليه الصلاة والسلام ؛(الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ ” وفسره علماء النفس بتوارد الخواطر من شدة تقارب وتعانق الأرواح بمن يحبون ،..!ومن أجمل وأجل صور عناق الروح، الدعاء.. يبقى متصلًا حتى بعد الموت لقوله عليه الصلاة والسلام ؛( اذا مات ابن ادم انقطع عمله الا من ثلاث وذكر منها ولد صالح يدعو له ). نعم تتصل أرواحنا بالدعاء لمن فقدناهم

ومن عناق الروح بترجمة اللغة لمعنى عناق :(عانق أفكارَ المؤلِّف أخذ بها )، دلالة على عناق الكتب بالأخذ بأفكار الكاتب و السير مع كلماته بالدخول في أعماق هذا الكتاب والإبحار في حروفه وإبداعه، فيكون أشرف وأعظم عناق، عناق كتاب الله بالتدبر في آياته والأخذ بما فيه حبا لله وكذلك كتب السنة والسيرة النبوية الشريفة ،.ومن بديع صور العناق، عناق الأرض في السجود لنلقي في أحضانها همومنا لطلب الطمأنينة والراحة والأمان من مالك الروح والجسد .
.
نستخلص من ذلك أن كل عناق محسوس يبلى وكل عناق مخفي عن العيان يبقى فعناق الأرواح فيه قوة خفية أصدق من الأجساد، فإذا تلاحمت وتماسكت تثبت جذور حبها في القلوب ، فتعجز أي قوى في الارض عن تفريقها أو نزعها عن بعض الا بنزع روح صاحبها !،،، وما أحوجنا في وقتنا الحالي إلى عناق أبواب السماء بالدعاء لكشف الكرب ودفع البلاء .
رزقنا الله واياكم أرواحا معافاة وسامية راقية بمن في السماء و رحيمة ومحبة وحانية لمن يتآلف معها من أرواح البشر في الارض ..

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: