عناق خلف الأسوار..

مشاري الوسمي
رئيس التحرير

شددت على يدها ساعة الفراق، وكأنني أستجديها لتعيد روحي قبل رحيلها، فقد توغلت في داخلي حتى تمكنت، استحكمت على أوصالي حتى فقدت إرادتي .

لم يكن للحُبِّ قبلها عنوان، ولا مساحات وصفحات في سجل حياتي وإنما صولات وجولات هنا وهناك، طرقات متشابهة وأخرى مجرد صدف متقاطعة، كنت حراً كطائرٍ غنى فغنت له الدنيا طربًا ومرحًا وصفاءً..لم تكن تختلف تفاصيل أيامي متقاربة أو حتى مستنسخة من بعضها..لكن توقفت فجأة عقارب الوقت، سكتت ضجة الحياة، توقف الناس عن النبض والتنفس حين لمحتها.
لم تكن تشبه البشر في شئ..فهي كلوحة رسام أقسم أن لا يرسم بعدها، فظل يرسمها دهورًا و أعومًا، عكف على كل تفاصيلها فخرجت حورية من أعماق الدفء ومن قلب الحنان ، تخاصم العشق والوجد على تبنيها .

أطلت النظر فمرت لحظاتي كأنها أيام، و أيامي معها كلمح البصر عطفت عليَّ بابتسامة ثغر أو هكذا صور لي خيالي المفتون، تبعتها نظراتي وكأنها تحرسها، غابت عني وقد فقدت قلبي معها وجندت روحي لتحرسها.بحثت عنها وكأنني الوليد الذي فقد أمه قبل الفطام، فما يعي هل فقد الحنان والأمان، أم فقد حياته و أوشك أن يموت جوعًا وعطشًا ؟!.

حين صادفتها ثانية بعد أيام ،. لم أكن نفس الشخص، بل غدوت أسيرها، طريح غرامها، متسول عطفها وجريح بُعدها . عشت بجانبها أعوامًا من عمري لا أتذكرها، فهي كحلم من أحلام الطفولة الوردية، لا خصام، لا حزن ولا شجن، كانت كشمعة أضاءت كل طريق تمر به، كالربيع نبتت في شتاء قارس أمات كل مافيه، فأحيت بحنانها ورود العمر داخل صدري، وأجلت كل همٍ سرى في شراييني وعكر دمي .

كانت فريدة الطبع والطبائع، ألماسة صقلتها الحياة زينة للناظرين. لكن للأقدار كلمة وأسال الله أن أكون من الصابرين، فقد دقت ساعة الفراق وشلت أطرافي وأنا أرفع يدي مودعًا، وقلبي بداخلي يحتضر، كيف يتسنى لي فراقها وهي لروحي سكن ؟ أيهنأ إنسانٌ منّا تائهٌ ضائعٌ بلا وطن؟! والله إن بعدها قطعة من نار، تهيج فتحرقني ألف مرة في يومي، فكيف إن عشت في العذاب سنين؟! .

إني مفارق رغم العذاب و العناء.. لكني في حبكِ ناسكًٌا متعبدًا يمر عليه الليل باكٍ متضرعًا لله أن يأتي بكِ قبل الفجر وأعانق روحكِ خلف أسوار البعد علها توصل سلامي مع كل طلعة صبح.
دمتم بحُبّ وبالخير تنعمون .

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: