تأمُّلات مريضة نفسية..

د.أيـمن بدر كريّـم، جولدن بريس
Aymankrayem@

تلقيتُ رسالةً من إحدى القارئات، تتحدّثُ فيها عن تـجربتِها مع الـمرض النفسي وجلْسات العلاج الـمعرفـي السُّلوكي بـحسْب وصفها، آثرتُ نشرها (بتصرّف) حيثُ تقولُ فيها: “تـجلسُ أمام طبيبٍ يـُحاول تلخيصَ سنواتِ عمرٍ تُـجاهِد فيها أن تـجمَع شّتات نفسك، تسرُد أمامه أفراحَك وأحزانَك، نـجاحاتَك وخيباتَك، وهو لا يفعل شيئاً سوى التحديق !! تتلوّى أمامه من ذكرياتك الـمؤلـمة مثل سـمكةٍ أُخرجت للتو من أعماق الـمحيط إلـى قاربٍ صغيـر وتُرِكتْ على السّطح تتخبّط حتّـى يتوقّف نبضُها والصّياد يتـرقّب. تنتهي معركتُها مع نفسها أخيـراً وتتوقّف حركاتـُها وتـجحظُ عيناها وتـموت قبل أن تـموت، ثـمّ يرمي الصيّاد سنارته مرة أخرى .. بـهدوء”.

وتُسهب فـي الوصف بقولـها: “طبيبٌ لا يستطيع أن يصفَ لـي أقراصاً تُعالـجنـي من خيباتـي، أو ينتزعَ سواداً أطبق على روحي جرّاء ذكريات عُمر مؤلـمةٍ فـي “جلسة استماع” .. كيف له أن يُلملم شتاتـي ويُداوي أوجاعي وجروحي التـي أصبحتْ كثقوبٍ مُظلمةٍ تبتلعُ كلّ ما يقتـربُ منها ؟! أنا فـي حضرة الطبيب مُـجرّد أوراقٍ صغيـرةٍ تُلخّص له كينونتـي الـمُتقلّبة، يُـحاول بعدها تشخيص من أنا وماهي هويّتـي، لأجل أن يضَعنـي فـي صندوق اختـرعه أصدقاء له قُدامى وضعوا بداخله البشر باختلاف تـجاربـهم !! ثـمّ يقوم جاهداً بـجمع الأدلّة التـي تُثبت أننـي الآن أصبحتُ جاهزةً كي أعيشَ بداخله”. وتُضيفُ الصّديقة: “إننـي يا سادة، لستُ سوى مـجموعة من أحزانٍ وآلامٍ أغرقتنـي وأنا سـمكة ناشدْتُ الصيّاد كي ينتشلنـي من مُـحيطٍ مـخيف .. لقد كنتُ أعتقدُ أنّ بيديه الـخلاص، لكنه ببساطة أعاد رمي السّنارة مُكملاً حياته !”.

وتـختمُ رسالتَها بلحظة تأمّل: “وفجأةً، عرفتُ أننـي مازلتُ حُرّة، أستطيع أن أكون مسؤولةً عن اختياراتـي، وعن أخطائي، فكلُّ ما يفعله الطبيب مُـحاولاتٌ يائسةٌ لـمراعاةِ أخطائي نتيجة “الظروف”، وإعطائي العذر لارتكابـي أخطاءً أخرى بـحقّ نفسي، فهذه الأعذار صارتْ صندوقاً يضعون فيه من يريدون لـحمايته من نفسه ومن الـمجتمع، ولكننـي اليوم عرفتُ أننـي لستُ سـمكة ولا أقفزُ إلـى قارب أو أدخلُ فـي صندوق، أنا إنسانٌ حرُّ كامل الإرادة، وجب عليّ اختيار الوقوف بصدقٍ أمام كلّ انـهزاماتـي لأتعلّم منها، وأن أمشي فـي طريق الـمواجهة لأكون مثالاً صادقاً في التغلّب على أحزانـي وآلامي وذكرياتـي .. لعلّي أحتاجُ حقّا إلـى طبيب، لكنـي يـجب أن أواجه نفسي أيضاً، وأقولُ لـها أنا هُنا، أنا موجودة”.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: