هل ستبكي الأرض..؟؟

الكاتبة/سحر الشيمي، جولدن بريس
sahar_shimi@

بينما كنت في عزلة في ليلةٍ ساكنة، يبشر هلالها بقدوم ضيف مُنْتَظَر تهفو له القلوب شوقًا، وتضج الأرض بالتهاني بمجيئه بعد فراق عام، في وقتٍ تفرق فيه الأهل والأصحاب والأحباب رغم قرب المسافات.. ووصل فيه الاشتياق لأقصاه.. لعناقٍ وحضن أقرب الناس، ولكن جاء رمضان فعانق أرواحنا التواقة له وهدأت الأنفاس.

في هذه اللحظة..وقد اختلطت المشاعر بين فرحٍ وبكاء.. وفقد ٍولقاء (فقد للقريب ولقاء الشهر العظيم)، تفكرت ماذا لو عُزٍلَ كلًا بمفرده..!! والكثير حدث له ذلك، ليس معه الا مُصَلّاه قرآنه، سريره وشباك ينظر منه للسماء للدعاء..!! جمادات ولكن قد يشعر بالحنين لها وقت سفره، فهل ستفتقده بعد فراقه للدنيا؟..سؤال وجدت إجابته في قوله تعالى:(فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ”. لم تبكي على فرعون وقومه ولم تفتقدهم لأن ليس لهم عمل صالح..فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟.!وهل تحس وتدرك ؟!..

يقول الله عز وجل: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) لشدة ادراك السموات والأرض بعظم الأمانة، أبت أن تحملها، واختارت ان تكون خاضعة لله دون تكليف. فالسماء تدرك..بل أشد إدراكاً من الانسان، وكذلك السماء والأرض ومن فيهن يسبح لله ويسجد، كلًا بلغته.. ولكن لا نفقه تسبيحهم.
فكل ما في الكون ينسجم ويتضامن في قضيةٍ واحدة، وهي التسبيح لله والتنزيه له من كل شبيه ومثيل (بتوحيد للخالق) فإذا انسجم الانسان المكلف مع هذه المخلوقات وعبد الله بقلبه وعمل بجوارحه سيفرح كل مافي الكون ويأنسون به ويحبونه فاذا غاب عنهم افتقدوه وبكوه !..

سئُل ابن عباس هل تبكي السماء والأرض على أحد..؟؟فقال رضي الله عنه: نعم إنه ليس أحدٌ من الخلائق إلا وله باب في السماء منه ينزل رزقه ومنه يصعد عمله فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد به عمله وينزل منه رزقه فقد بكى عليه.. وإذا فقده مصلاه في الأرض التي كان يصلي فيها ويذكر الله عز وجل فيها بكت عليه. وقال :إن الأرض تبكي على المؤمن أربعين صباحاً، فقلت له: أتبكي الأرض؟ قال: أتعجب؟ وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود، وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتكبيره وتسبيحه فيها كدوي النحل وحين تعمر مكانك وغرفتك بصلاة وذكر وتلاوة كتاب الله عز وجل فهي ستبكي عليك يوم تفارقها قريباً أو بعيدا.. ؟!.فهل ستبكي علينا؟، وعلى من ستبكي الأرض ؟!..

سنجد الجواب في قوله تعالى:(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ” هؤلاء يعطون من أنفسهم مما أمروا به، ما آتوا من كل ما يقدرون عليه من صلاة، ويُسَارِعُونَ في أفعال الخير، همهم ما يقربهم إلى الله، ويصرفهم عن عذابه، فكل خير سمعوا به، أو سنحت لهم الفرصة إليه من زكاة، حج، صدقة وغير ذلك، من أعمال صالحة، وقد جمعو بين الإحسان بالعمل والخشية من الله. هذا حالهم في الدنيا، سابقوا الى الله بالعمل الصالح وسبق الله اليهم السعادة في الدنيا يعقبه نعيم في الآخرة. فهل لنا ان نكون منهم ؟!…وهل ستبكي الارض علينا شوقاً لنا ولأعمالها الصالحة كما نشتاق اليوم لمن نحبهم ولا نسطيع رؤيتهم لشدة حبنا لهم ولأعمالهم ؟!..

واني لأرى اليوم الكون كله يصور لي في مشهدٍ مثير وكأني أسمع نحيب الأرض وهي تعانق السماء التي تنهمر معها في البكاء، كأم تربت على ظهر طفلها الذي أنهكه البكاء ليهدأ بين ذراعيها فتسقيه من غيثها بعد طول فراق. فلنسارع بالخيرات ونكثر من الصالحات، واليوم موضع سباق و كسب الغنيمة قبل إغلاق الابواب والهزيمة، فهنيئاً لمن سارع وسبق وغَنِمْ..

همسة :(ستزهر الأيام وان طال خريفها وسيثمر الصبر وان طال الأجل)..

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: