خطراتٌ عن الـمعرفة

د.أيـمن بـدر كريـّم، جولدن بريس
Aymankrayem@

من خلال بـحثي عن مفهوم الـمعرفة، فهمتُ أنـّها قدرةُ الإنسان على فهم الـحقائق والأحداث، واستيعابـها سواءً من خلال الـمعلومات الـمُتاحة، أو عبـر قُدرته على تـحليل التفاصيل أو التجربة الشخصية، أو الاستفادةِ من تـجارب وخبـرات السّابقيـن في عصره وغابر التاريخ. وتـحتاجُ الـمعرفة إلـى ذكاءِ الفرد، ورغبتهِ في الاكتشاف والبحث وراء كلّ ما هو جديد ومُـحاولة تطوير ذاته، فضلاً عن قدرته على الاستفادة من الـمعلومات والأدوات العلمية الـمتوفرة لديه. ويعرّف أفلاطون الـمعرفة بأنـها الاعتقادُ الصّحيح الـمُبـرّر.

إنّ وفرةَ الـمعلومات وسهولةَ الـحصول عليها، لا يعنـي بالضرورةِ ارتفاع مستوى الـوعي والإدراك لدى أحدهم، فكثيـرون مُصابون بأدلـجة تقليديةٍ ومُـمانعة شديدةٍ ضدّ الـمعرفة، ورفضٍ عجيب من التحقّق من معلوماتـهم وفهمهم، فالتعليمُ التقليدي في الـمجتمعات الـمتخلّفة فكرياً، اعتمدَ على الـحفظ والتـرديدِ والتلقيـن والتقليد، وإهـمالِ القدرة على ربطِ الـمعلومات الـمُختلفة، وفنّ استنباط النتائج من الـمُعطيات الـمتوفرة والتـراكم الـمعرفـي.

يصفُ الدّكتور علي الوردي، الـمناخَ الفكري في عصر ابن خلدون “وعُدّ الأساتذةُ القُدماءُ أناساً استثنائييـن ومؤلّفيـن لا يُـمكن تقليدُهم، وكانت الفكرة السّائدة، هي أنّ كلّ شيء قد اكتُشِف مُسبقاً، وليس ثـمّة شيءٍ جديدٍ تـحت الشّمس”. وما يُؤكّد هدْر قيمة الـمعرفة فـي الـمجتمعات الـمُتخلفة، عدم قدرة الفرد فيها على التفكيـر بـحرّية، وضعف اطّلاعه على العلم بالرغم من توافره بغزارة، فهو إنسانٌ مهدورٌ فكرياً مهزومٌ نفسياً فاقدٌ لـهويّته، فالـحضارة الـحقيقية تقومُ على توفّر مناخٍ يُشجّع على الـمعرفةِ العميقة وحرّية الرأي والاجتهاد والابتكار، واعتبار الـجهلِ أقرب للإنسان من العلم، ونتيجةً لذلك، يبذل ما بوسعه ليتشكّك ويفهم ويناقشَ ويكتشف ويـُخطئ ويتعلّم. يقول (ابن خلدون):” شعورُ الإنسان بـجهله، ضربٌ من ضروبِ الـمعرفة”.

يصفُ الدكتور مـحمد شحرور ما أسـماه “الطغيان الفكري” بقوله: “فأصبحنا نفوّض إلـى الآخرين التفكيـر عنا، ونأخذُ ما قالوا دون مُناقشة، فالـمهمّ عندنا من قال، وليس ماذا قال، لأنّ فكرنا التـراثـي مبنـيّ على الثقة السّماعية لا على الـحجّة العقلية”. ويـخشى كثيـرون طرْق أبواب الـمعرفة، لأنّ مدار ذلك مُرتبطٌ فـي مُعظمه بازدياد الـمُعاناة الفِكرية والألـمِ النفسي، لكنّ هدف ازدياد الـمعرفة هو الاقتـرابُ من الـحقائق، والتحرّر الفكري والطمأنينة النفسية. والعجيب، أن “الـجهل” – كما يقول (تشارلز داروين) – “فـي أغلب الأحيان، يـجلبُ الثقة أكثر مـما تفعلُ الـمعرفة” !! كما من الضروري أن نفهم ما قاله (جان جاك روسو): “إنّ الـمعرفة لا تولّد الأخلاق، والأفرادُ الـمثقفون ليسوا بالضرورة أُناساً صالـحيـن” !.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: