مـسلسلات وبـرامج عبـثية

د.أيـمن بـدر كريـّم، جولدن بريس

ما أتناوله هنا، لا يعدو مُـجرّد خطراتٍ من مُشاهدٍ عادي غيـرِ متخصص يتوقّع احتـرامَ عقله وذوقه الفنّـي ومشاعره الإنسانية، ويرغبُ في وجبةٍ مُسلّية مُبتكرةٍ مُشبِعة بعيداً عن السّماجة والابتذال، وبـمنأى عن التـرويج للعنف والبذاءة اللفظية والـهمجية السّلوكية تـحت مُسمى “الترفيه”، إذ لا أظن أنّ هناك معاييـر ثقافيةٍ أخلاقيةٍ أو مقاييس مهْنية واضحة، تـُحدد هوّية بعض الـمُسلسلات والبـرامجِ التلفزيونية التـي تُنتجها بعضُ القنوات الفضائية العربية، وتعرضها على الـجـمهورٍ فـي أوقات الذّروة، واجتماعِ العائلة.

وبعد تأمّل وتفكّر، رأيتُ أن دافعَ استمرار إنتاج تلك الـمُسلسلاتِ والبـرامج، يبدو مادياً بـحتاً، فالعوائدُ الـمالية هي الـمُحفّز، وتوفُّر الرّعاةُ والإعلانات الـمدفوعة هو الـمُحرّك، حيثُ يظهر أن الـمصلحة الـمادّية فوق كلّ اعتبار.

أعلمُ أنّ بعضهم سوف يظنّونـي ساذجاً لوصولـي إلـى هذه النتيجةِ الـمنطقيةِ الـمعروفة بالضرورة، ولعلّـي كذلك، إلا أننـي حاولتُ مقاومة فكرة أن يتمّ الوصولُ إلـى الـهدف الـمادّي على حسابـي بوصفي مُشاهداً، فيتمُّ إنتاجُ برامجَ ومسلسلات تستخفُّ بفكري، وتستهيـنُ بذوقي، وتُعكّر مِزاجي، ولا تـُقدّر إلـمامي البسيط ببعض مبادئِ التمثيلِ والسيناريو والـحوار، وتقنية التصوير وفنون الإخراج من مشاهداتـي لعددٍ كبيـر من الـمُسلسلات والأفلام العربية والأجنبية، وتتجاهلُ قدرتـي البسيطة على الـمُفاضلة بين هذا وذاك، مع مُلاحظة أن الـمكسَب الـمادي هدفٌ أساس للمنتجاتِ الفنية الأجنبية أيضاً، لكني لا أرى تلك السّطحية والابتذال حتى في أقلّها مهْنية، بل فرَضتْ نفسها على شاشاتِ الـمُشاهدين الـخليجييـن، بالرغم من اختلاف ثقافاتـها ولغاتـِها.

وحتـّى إشعارٍ آخر، يبدو أن “الـجود من الـموجود” !! فبعض الـمُسلسلات مُـجرّد تكرار مـمجوج، بـهويّة تائهة ورسالةٍ ضائعة، أحداثُها “مـمطوطة” مُـملّة، وحوارها ركيك، بأداءٍ باهتٍ سامج يضجُّ بسخافاتٍ درامية من مـجموعة “هواة” اتفقوا على خوض “تـجربة أداء” دون تـهيئةٍ فنّية أو شهادة مُعتبـرة، على الرّغم من الأموالِ الطّائلة الـمبذولةِ، والفرق بيـن التمثيلِ والأداءِ، وبيـن الفنّان والـمُؤدّي، وبين الـمُحتـرِف والـهاوي.

أختمُ بـهمسةٍ في أُذن القائميـن على تلك الـمُسلسلات والبـرامج: عندما تُثيـرون جدلاً شديداً واستياءاً عارماً وانتقاداً مُتكرراً، في مُـحاولتكم السّنوية للفوز بنسبِ مُشاهدةٍ “مليونية”، فليس معنـى ذلك أنّ الـمُسلسل أو البـرنامج ظريفٌ أو ناجحٌ أو مؤثّر بالضرورة، بل قد يكونُ سخيفاً أو مُبتذَلاً أو عبثياً غيـرَ مُلائمٍ للعرض، ويعنـي بشكلٍ مُـجرّد، أنّ قناتكم تـملك ميزانيةً ماليةً ضخمةً، ودعماً إعلامياً لوجستياً كبيـراً، يـُحسَب عليكم، لا لكم !.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: