الإرهاق الاجتماعي

د.أيـمن بـدر كريّـم

تناولت الزميلةُ الدكتورة (سـمراء منصور سليمان)، استشاريةُ الطب النفسي، مشكلة “الإرهاق الاجتماعي” التـي رأيتُ من الـمناسب طرحها هنا، حيثُ أشارت الطبيبة النفسية إلـى مُصطلحٍ جديد باسم “إجهاد زووم” للدلالة على فرط الإرهاق الذي يتسبب فيه التواصل عبـر برنامج (زووم) لإجراء اللقاءات والاجتماعات بالصوت والصورة (خاصية الفيديو)، مـما يُعتبـر تـحدّياً إضافياً للبقاء فـي دائرة التـركيز الذهنـي، وبذل جهدٍ مُضاعفٍ لإظهار الاهتمام وعدم تشتت الانتباه في أوقات قد تكون غيـر ملائمة، إذ يبدو أنّ الانتقالَ من صورةٍ ثنائية البُعد إلـى صورةٍ ثلاثية البُعد، يضعُ ضغطاً أشدّ على الذهن والسمع والعيـن عبـر بذل جهدٍ أكبـر لاستيعاب الصّورة والـحركة، وقراءة ملامح الـمتّصليـن والرّد عليها مباشرةً بشكلٍ مناسب.

وتُشيـر الدكتورة (سـمراء) إلـى فتـرة الـحظر الـمنزلـي الاحتـرازي، وكيف ظهرت في أثنائها أعراض “الإرهاق الاجتماعي” لدى بعض الناس، على الرّغم من ندرة الـخروج والتعامل الـمباشر الشخصي بيـن الأفراد، وهي مشكلةٌ تواجه على الأغلب أصحاب الشّخصية الانطوائية، التـي تـميل إلـى الانعزال وقضاء أوقات يومية مع نفسها، وهم بذلك أكثر عرضة إلـى الإصابة به، نتيجة الارتباط بالعمل خارج الـمنزل، وارتباطهم مع العائلة والأطفال والأزواج، وحتى العمل داخل الـمنزل، وهو أمرٌ يصعب أحياناً على الشّخص نفسه التعرّف عليه، كما يصعُب على الـمحيطيـن به تقديره والإقرار به.

وتقتـرح الطبيبة النفسية الدكتورة سليمان، ضرورة الاهتمام بالـمساحة الشّخصية، وتفهّم الأشخاص الـمحيطيـن بأن الرغبة فـي الاعتزال والبقاء وحيداً لوقتٍ طال أم قصر، لا يعنـي عدم مـحبّة الـمخالطيـن من أفراد العائلة أو الزملاء، ولا يُشيـر إلـى مشاعر الكراهية الشخصية، لكنه ببساطة يعنـي أنّ هناك أشخاصاً يـحتاجون لفكّ الارتباط مؤقتاً واللجوء للتأمّل في هدوء تام، وإعادةِ شحن طاقاتـهم النفسية بأنفسهم ومع أنفسهم، دون “مساعدة” من أحد، لافتةً إلـى ضرورة مُراعاة حدود “السّقف الاجتماعي” الذي يـختلف من شخص لآخر، تبعاً للقدرة على التواصل الاجتماعي بشتّى وسائله، وتشكُر فـي الوقت نفسه كلّ من يلتمسُ العذر لـمن لا يردّ على مكالـمات الـهاتف النقّال، ورسائل الواتساب، أو يتجنّب حضور الـمناسبات الاجتماعية في أوقات كثيـرة، فلعلّه يكون قد وصل إلـى حدود سقفه الاجتماعي، دون ضررٍ ولا ضرار.

اختم باقتباسٍ منسوبٍ للكاتبِ الأديب (توفيق الـحكيم): “العُزلة حاجةٌ في نفسِي مثلَما الـخبزُ والـماء والـهواءُ حاجةٌ في جَسدي، ولا بدّ لـي من ساعاتٍ أعتزلُ فيها النّاس لأَهضم سَاعاتٍ صرفتُها فـي مُـخالطتِهم وندمْتُ عليها”.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: