الموقف العربي من التوغل التركي في ليبيا

د. فوزية القحطاني، جولدن بريس

لم يكن التوغل التركي في ليبيا وتراجع الجيش الوطني الليبي مفاجئًا للمتابعين للشأن الليبي. فقد سبق هذا الزخم الكبير تحضيرات و إرسال أسلحة، دبابات و سفن، تذهب إلى طرابلس و مصراتة، محملة بمختلف التجهيزات و المعدات العسكرية التركية بينما كانت طائرات اردوغان تهبط في مطار معتيقة في العاصمة طرابلس، تحمل المئات من المرتزقة السوريين الذين غرر بهم اردوغان، و قدم لهم إغراءات برواتب بالدولار ومنحهم الجنسية التركية مستغلًا الظروف المأساوية للشباب السوري في مخيمات النزوح والتهجير.

ربما يسأل البعض.. كيف تراجع الجيش الليبي الذي يقوده الجنرال خليفة حفتر بهذه الصورة الدراماتيكية بعد أن كاد يطبق على أحياء في العاصمة الليبية، وكذلك المطار الدولي ومنطقة ترهونة، غريان و أغلب مناطق الغرب الليبي..؟؟ الحقيقة أنه حدث اختلال في ميزان القوى العسكرية، بين ميلشيات حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا وهي حكومة إخوانية بامتياز، باعت اردوغان أو تنازلت له عن مكامن كبيرة للثروات الغازية والبترولية في المياه الاقليمية الليبية، وتدخل الجيش التركي بطائراته المسيرة والمتطورة، إلى جانب خبراء وضباط أتراك يقودون حوالي عشرة آلاف مرتزق سوري، حصلوا على خبرات قتالية من الأزمة السورية وحروبها المتعددة، بينما بقي الموقف العربي ساكنًا من الناحية السياسية والموقف الدولي متذبذبًا، لكنه في النهاية يصب في خانة حكومة السراج العميلة لاردوغان.

إن ليبيا هي اولًا قضية أمن قومي عربي في المقام الأول، وهي قضية تمس جوهر الأمن القومي المصري في الصميم، عندما يكون اردوغان وجماعاته الإرهابية جارًا لمصر، البلد العربي الكبير كما أن تمكين حكومة إخوانية في طرابلس، سيجعل الأتراك في موقع جيوسياسي أقوى، ويمنحهم فرصة التواجد على ساحل عربي متوسطي طوله أكثر من الفين كيلو متر، وسوف يخلط الأوراق في منطقة ملتهبة تعاني من تشققات وانهيارات.

علينا أن نعترف أنه لأول مرة في العصر الحديث، تسقط عاصمة عربية بكل أسى بيد احتلال تركي صريح، ما انفك يذكرنا بقرون الخلافة العثمانية وعذاباتها للعرب واحرار العرب، الذين نصب لهم جمال باشا السفاح المشانق في بيروت والشام.. نحن أمام مشهد متداخل، يثير أسئلة أكثر مما يقدم أجوبة.. فاردوغان يقول أنه لن يتخلى عن الدفاع عن أقلية ليبية من أصول تركية تقدرها أوساط ليبية بأقل من إثنان بالمائة من تعداد الشعب الليبي، ثم إشتراك حركة النهضة في تونس بقيادة الإخواني راشد الغنوشي، وتأييده ودعمه المطلق لاردوغان التركي وحكومة السراج.

السؤال.. لماذا تأخرت مصر في تقديم دعم عسكري يقلب التوازن ويحسم المعركة..؟؟ كل تلك الشهور التي خلت من الحرب في وقت تركيا ترسل الأسلحة والسفن والمقاتلين جهارًا نهارًا..!! وما هو نصيب المبادرة المصرية للحل السياسي في ليبيا في ظل رفض حكومة السراج وقطر وتركيا لها..؟؟ ثم أين هو الموقف الدولي الذي يتناغم مع حكومة صورية في طرابلس ولماذا لم ينزع المجتمع الدولي عنها الشرعية المزعومة..؟؟

الأسابيع القادمة ربما هي الأخطر في مستقبل ليبيا ما لم تحدث مواقف عربية جدية وحاسمة لوقف التوغل التركي المدمر للمنطقة.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: