الفقر .. أبو الكبائر

د.أيـمن بـدر كريـّم، جولدن بريس

يتّفق العُقلاء على أنّ الفقرَ من أكبـر الـمصائبِ الإنسانيةِ التـي تُصيب الـمُجتمعات والأفراد، ويرتبطُ بتداعياتٍ مَرضية عُضوية ومُضاعفاتٍ نفسيةٍ سلوكيةٍ أخلاقية، نتيجة نقصٍ مُريع فـي الـخِدْمات الإنسانية الأساسيةِ التـي تُـحافظ على كينونة وكرامةِ الإنسان، من غذاءٍ وسكَن وصحةٍ وتعليم، مـما ينعكسُ تلقائياً على مستوى حُرّيته الشّخصية والفكرية.

ونتيجةَ الفقر، يُـحبَس الإنسان في حلْقة مُفرغةٍ من البؤس والـحاجة، ويفشلُ في الـحصول على الـمستويات الدُّنيا من الدّخل، ليس في دولٍ منخفضةٍ اقتصادياً فحسْب، بل فـي دولٍ توصَف بأنـّها من العالـم الـمُتقدّم، كالولايات الـمتحدّة الأمريكية، التي ترتفع لديها نسبةُ الفقر إلـى نـحو (13%) من السُّكان. وفـي هذا السياق، تُظهر دراسةٌ أمريكيةٌ حديثة (2019) أنّ الفقر ونقصَ التّعليم والبطالة والأمراضَ العقلية، تُعدُّ أسباباً مُستقلة ورئيسية لإدمان تدخيـن السّجائر، بـما يـجرّه من أمراض مُزمنة قاتلة.

واجتماعياً، فإنّ الـحالةَ الاقتصادية ومدى الرّفاهيةِ الـمادية مؤثُّر أساسٌ فـي أخلاقِ وسلوكيات الشُّعوب، ولا يكونُ إصلاحُها – أي الأخلاق والسلوك – بدروسِ وخطبِ الوعظ والإرشاد والـمثاليات كما يظنُّ بعضُ الـجهلاء والـمُؤَدلـَجيـن، بل بالقدوة الـحسنةِ وتـحسيـنِ التعليم والظروفِ الـمعيشيةِ، ومكافحةِ الفقر والفسادِ والظلمِ الاجتماعي، لذلك فإنّ مـحاولةَ تـمريرِ الفقر على أنه “فضيلة”، من أقبحِ ما يلجأُ إليه بعضُهم لتبـريرِ الظُّلم الطّبقي والفسادِ الاجتماعي. يقولُ الشيخ (مـحمّد الغزالـي): “الفقرُ فضيلةٌ سخيفة، لا يدعو إليها إلا رجلٌ سخيف”، ويقول (توماس بيـن): “إنّ الفقر يتحدّى كلّ فضيلةٍ وسلام، لأنّه يورِثُ صاحبَه درجةً من الانـحطاطِ والتذمّر تكتسحُ أمامَها كلّ شيء، ولا يبقى قائماً غيـر هذا الـمبدأ: كُن، أو لا تكُن”، وتظهر نتائجه الفجّة في ازدياد البطالة، والسّرقات، والرّشوة، وتناولِ الـمُخدّرات، والدّعارة، والـمُشكلاتِ العائلية كالطلاق، والاكتئابِ والانتحار.

وقد استعاذ النبـيُّ صلّى الله عليه وسلّم من رذيلةِ الفقر فـي دعائه: (اللّهُمَّ إنّـِي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ، وَالْقِلَّةِ، وَالذِّلَّةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ أو أُظْلَمَ) .. (أخرجه أبو داوود والنسائي وصحّحه الألبانـي). وأختمُ بقولٍ بليغ للشيخ (مـحمد الغزالـي) رحمهُ الله تعالـى في كتابه (الإسلام الـمُفتـرى عليه): “كلُّ دعوةٍ تُـحبّب الفقر إلـى النّاس، أو ترضّيهم بالدُّون من الـمَعيشة، أو تُقنعهم بالـهون فـي الـحياة، أو تصبّـرهم على قَبول البخس والرّضا بالدّنيّة، فهى دعوةٌ فاجرةٌ يُرادُ بـها التمكيـنُ للظُّلم الاجتماعي، وإرهاقُ الـجماهيـرِ الكادحةِ فـي خدمةِ فردٍ أو أفراد، وهي قبل ذلك كلّهِ، كذِبٌ على الإسلام، وافتـراءٌ على الله”.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: