لـماذا لا أتعلّم ؟!

د.أيـمن بـدر كريّـم، جولدن بريس
 
أنا أعرف الـمعلومة مُسبقاً، وفهمتها جيّدا، وتأكدتُ منها بـمجرّد قراءتـها من مصدر معيـّن، أو من خلال شخصٍ أو مـجموعة أشخاص، ولا أحتاجُ إلـى مراجعتها. أنا أقرأ بـهدف الشّعور بالفخر عن طريق التعبيـر عمّا أعرفه بـحذلقة، وليس من أجل الـمعرفة ذاتـِها، كاستعمال كلمة “أجنبية” أو علْمية، لا يفهمها الآخرون بسهولة.

يصعبُ عليّ قولـي: “لا أعلم، وأحتاج أن أعود لك بعد التحقق من الـمعلومة بشكلٍ صحيح من عدة مصادر موثوقة”، فمكانتـي وغروري الذّاتـي لا يسمحان لـي بقول ذلك. أنا أحب الوجاهةَ الاجتماعية والـمكانة الافتـراضية والإعلام الـحديث، أكثر من شغفي بالبحث والقراءة والاطلاع، بـحيث يضطرنـي فـي كثيـر من الأحيان إلـى التمسّك بوهم الـمعرفة.

أنا إنسانٌ متعصّب، واقعٌ في فخّ الأدلـجةِ الفكرية، والأفكارِ النّمطية، ورفضِ الاطلاع والقراءة أو حتى مناقشة بعض الأفكار التي تعلّمتها في مُـجتمعي دون دلائل واضحة مفهومة. أنا شخصٌ لم أتعلّم فنّ الـحوار، جاهلٌ بأصول نقاش الفكرة دون التعرّض للشّخص أو نسبهِ أو عِرْضه أو لونه، ودون إمساك لسانـي عن البذاءة والوقاحة والقدْح الشّخصي.

أنا طالبٌ تعلّمت في بيئة دراسيةٍ خاملةٍ ذهنياً، تعتمدُ التلقيـن والنقل والـحفظ أسلوباً تعليمياً، وتفتقرُ للبهجة، ولا تشجّع على القراءة الـحرّة وإجراء البحوث العلمية، ولا تربط بين الـمقرّرات التعليمية، وواقع الـحياة ومُقتضيات العيش. أنا واثقٌ من صحّة ثقافتـي الـموروثة، ولذلك أبـحث دوماً عن الـمعلومة التـي أستريحُ لـها، وتتماشى مع ثقافتـي وميولـي وأفكاري ومعتقداتـي، وأرفضُ غيـرها مهما كان كمّ الدلائل العلمية عليها.

لديّ خوفٌ دفيـن، فقد تربّيت على الـخوف من استعمال عقلي أو التجرّؤ على الاستقلال بفكري، والـخوف من الـمختلفيـن الأغراب، لأنـي تعلّمتُ أنّ هدفهم في حياتـهم، مُـحاولة تشويه معتقداتـي والتآمر على مُسلّماتـي. أحيطُ نفسي دوماً بالأغبياء، وأحرص على عدم الاختلاطِ بالأذكياء وأصحابِ الفكر والمعرفة، فالأغبياء أمثالـي، يعطوننـي انطباعاً جيّدا عن نفسي، واحتراماً كاذباً لشخصي ومعلوماتـي، فلا أحد منهم يُصحّح لـي خطأي أو يُـحرجنـي.

لديّ كثيـرٌ من الأموال والـموروثات والـمكتسبات التـي تـجلبُ لـي الوجاهةَ الاجتماعية، والاكتفاء الـمادي والتحكّم في مصائر كثيـر من الناس، فما الداعي لكي أرهق نفسي في تعلّم الـجديد ؟!.
 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: