الأخيلة في زمن الحكايا!

الكاتب/ جابر العلي، جولدن بريس .

لم يبق من المدينة غير مبانيها الحزينة ومعالمها التي كانت تضج بالحياة، لم يبق إلا صوت نائحة وزمجرة الريح في نوافذها المهدمة، لم يعد في سكك المدينة سوى أزهار الياسمين المتساقطة من نوافذها الموحشة، تنتظر الريح تحملها لتعلن بدورها الرحيل كما رحل من كان يرويها. لم يبق منهم سوى أطيافهم وذكريات منقوشة على الأسوار للعابرين وشواهد على الطريق لتهتدي بها قوافل الراحلين بعدهم المنسلين من عباءة الليل البهيم، لقد أُطفئت قناديل الطرقات التي شهدت أفراح المدينة، كل الأشياء استباحها السكون وخيم عليها الصمت.

في زمن الأخيلة تغيب الحقيقة وتسيطر الحكايا على المشهد وتختلف الرواية حسب الوعي واللاّوعي، حتى الخرافة تصبح مألوفة رغم غرابتها، كل ذلك يحدث في عالم يسيطر عليه مشهد التوابيت ودموع التوديع، للموت مهابة وللرحيل وقار، رغم الغصة في الحناجر يبقى الأمل أن تكون الوجهة على الضفة الأخرى أرحم رغم غربتها ومرارتها وأن تكون الآخرة خير من العاجلة، في زمن يكون العدو خفي لا تدركه الابصار ربما يكون بجوارك يضحك ويبتسم لك فتظنه الصديق الحميم ولا تعلم من أين سيباغتك بفعل لم يكن في حسبانك، يأتيك من حيث كنت تأمنه وتسند ظهرك إليه.

حينها تختلط عليك مفاهيم كنت تعدها اليقين الفاصل بين الوهم والحقيقة والمرئي والمغيب وكأن بعض حواسك قد توقفت عن العمل، ويمطرك سيل من التساؤلات عن مدى قدرة حواسك على استيعاب معطياتها المتسارعة، المشهد ضبابي، ننظر للأفق فلا نجد في مدى رؤيتنا سوى أطلال تزمجر فيها الريح ويخيم الصمت على زواياها التي أصبحت أثراً بعد عين، موحشة يسكنها الاشباح،

هنا ندرك فداحة الفعل وثمنه الباهظ الذي لا تزال تدفعه مدنٌ عربية أخرى تسير في نفس الأتجاه المظلم، أتساءل، هل العقول التي لا تتقن سوى ثقافة هدم الصروح المشيدة كانت تدرك حجم هذه المأساة قبل أن تشرع في فعلها؟ من السهل جداً هدم الصروح المشيدة لكن من الصعوبة إعادة تشييدها والضحية هو الإنسان الذي لا يملك سوى التشبث بالحياة وانتهاز فرصة الرحيل والهروب من الموت إلى المجهول وربما من الموت إلى الموت!

_________________________________________

المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة ادناه تفضلوا بالمتابعة :

تويتر

فيسبوك

https://www.facebook.com/GOLDENPRESS2030/

لمزيد من الأخبار المنوعة تفضلوا بزيارة موقعنا ادناه .

Www.goldenpress.news

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: