الفن التشكيلي بين الموهبة والتعليم

الكاتب/ جابر العلي
جولدن بريس

أيهما أكثر ابداعاً وأيهما يرفد الآخر؟
يتفق الأغلبية من المتذوقين للفن التشكيلي أن وقوف الإنسان أمام لوحة فنية من لوحاته، يتأمل تفاصيلها ويطيل الوقوف أمامها، أشبه بحكاية الأساطير التي تجعلنا نستشعر الشئ الغير مألوف بالقناعات المألوفة..!!

يقرأها اللاّشعور الكامن في الحاسة السادسة والتي تعرف بعصف الذهن، أي الاستبصار، الحدس و الإيحاء وبالتالي فإن من يتمتع بهذه الحاسة يصبح لديه رؤية مختلفة عن رؤى الآخرين، تجعله يرى ذلك الجزء المنزَوِي عن الأعيُن بطريقةٍ ملْفِتة ومحسوسة، تشير إلى أن هناك موطنًا كامناً للجمال يستحق النظر إليه.
وهذا يجعلنا نتسائل..!! هل يمكننا القول أن هذا الفن يمتلك قدرة التعبير، فيصور المشاعر مجسدة في لوحة نقرأها بمفهوم مختلط بين الفرح والحزن والسعادة والألم؟!

إنَّ الفنان المتمكن صاحب الموهبة الفذة، يمتلك القدرة التعبيرية من خلال اللون والريشة، يستنطق صمتها فتبوح بمكنوناتنا التي تختلج في أعماقنا، وحين يجعلنا نقف نتأمل لوحته، نطيل الوقوف أمامها، متأثرًين ومتفاعلين معها، إلى درجة الشعور بأنها تحاكي دواخلنا، فنجزم بأنه امتلك قدرة التأثير وخلق لدينا مفاهيمًا نتكئ عليها، و انطباعات فلسفية تتسع معها مسافات الدهشة، باختلاف مدارس الفن التشكيلي وما تكتنزه من معطياتٍ تعبيريةٍ صامتةٍ، لكنها ناطقة بمفاهيمنا، مؤثرة وفاعلة، وربَّما أكثر من الرواية والمقالة، من حيث قيم التفاعل الذهني من خلال الألوان والخطوط التي تحكي قصصًا صامِتة تعبر عن قيم فنية متعددة ومتنوعة، بين الفرح، الحزْن، السعادة، الألم، الظلم العدل، اليتم، البؤس والفقر والغنى

مقاربات، مفارقات، متناقضات متوائمات، جميعها تروي بصمْتٍ ما جرى منذ الأزل وحتَّى الآن، وفيها كمٌ من المشاعر والأحاسيس الخلاقة، وهذا يتوقف على براعة الفنان التشكيلي، موهبته، ملكاته الفنية، سعة أفقه، مخزونه الثقافي الثري وإحساسه المرهف، جميعها تجعله يستقطب المتذوق لكي يتوقف أمام اللوحة متأملاً لها، قارئاً لتفاصيلها. وإذا استطاع الفنَّان أن يعمّق هذا الشُّعور في مفاهيم ووعي ذلك الشخص، فقد نجح في أن يرتقي بلوحته بحيث لم تعد تلك اللوحة مجرَّد، لونٌ وصورةٌ تُرسم، بل أصبحت فكرةً، معنًى، وإحساسًا ناطق بكل معطيات الجمال.هنا يكون نجح في جعل الفنّ وسيلة تعبيرية عمَّا هو مخزون في مشاعره من انفِعالات وأحاسيس ذات رسالة معيَّنة موجَّهة إلى المتلقين عبر العصور والأزمنة المتعاقبة”!

هذه الأفكار والرُّؤى تأتي كنتاج طبيعي لمعايشة الواقع، التَّفاعُل معه، الانطلاق منه، تلْخيصه، اختزال مفرداته وإعادة صياغتها، كما أنَّها أخذت الحركة التشكيلية لبناء الخطاب التاريخي والمعطيات الإجتماعية والسياسية المعاصرة، وجعلتها ضمْن اهتماماتها والعمل على تجسيدها ومعالجة قضاياها باللون والريشة. و هنا نتساءل، عن هذا الفن من حيث تأصيله، لا سيما أن هناك من ينظر له بنظرة أقل في القيمة، الفكر، الثقافة والتأثير عن باقي الفنون الأخرى، فهل واكب حياة الأنسان وعبّر عنها مذ نشأته الأولى حتى عصرنا الحاضر، أم أنه طارئاً عليها ومستحدثا لعصره؟!

يجمع الكثيرون على أن الفن التشكيلي ليس شيئًا مستحدثًا غريبًا، فقد كان وسيلة تعبيرية ولغة متداولة عند إنسان العصر الحجري، وكان اداة تخاطب مع الآخرين من خلال الرسم والنحت والنقش على الحجارة وجدران الكهوف التي اكتُشِفَت مؤخراً من رسومات ونقوشٌ توضِّح تفاعل الإنسان وصراعه مع الطبيعة من حوله، ومحاولاته التغلب على مبهماتها، وفك رموزها وغموضها وتطْويعها له، فكانت الرسوم والنُّحوت طريقتَه لنقْل معاناته ومعايشاته وثقافته وخطاب حضارته للأجْيال اللاحقة والمتعاقبة اللتي أتت بعده.

وقد عُرفت في علم الأثار، النقوش التاريخية والأحافير التي تلخص حياة الأمم السابقة والمتعاقبة، ثم تطورت حرفيّتها حتى ضمَّنها الفنان إحساسًه ومشاعره، بالكثير من التأصيل والتفصيل والتصوير، وأضافت لها الألوان بعدًا آخر من الجمال ودقة التعبير عن الأشياء من حوله، فحوَّل الفنان التشكيلي صور الطبيعة إلى زخارف وأشكال هندسية على الأنسجة والمفارش والجدران، بشكل حِرفيّ، وتنوَّع في استخدام الألوان وأضاف عناصر جديدة تشد المتابع وتدهشه.

ثمَّ أصبح الفنّ التَّشكيلي تدريجيًّا أكثر عمقًا، فأضْحى وسيلة للتَّعبير عن الذَّات أو عن انطِباعات ورؤًى معيَّنة تَختلج في داخل الإنسان تتضمَّن أفكاره وتجاربه وتجليات مشاعره، واتَّخذه وسيلة لتفْريغ الشحنات الانفعاليَّة التي تعتريه، كالألم والغضب والخوف، فعبَّر به في زمن ماضٍ عن الثَّورات والحروب ورغبة الشعوب في الحرِّيَّة وفِي العدل والمساواة، هذا الموضوع يحتاج للمزيد من تسليط الضوء وللمزيد من النقاش حوله لعل اسهاماتكم تضيف له أبعاداً فنية ثرية تدهشنا.

_________________________________________

المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة ادناه تفضلوا بالمتابعة :

تويتر

فيسبوك

https://www.facebook.com/GOLDENPRESS2030/

لمزيد من الأخبار المنوعة تفضلوا بزيارة موقعنا ادناه .

Www.goldenpress.news

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: