القطار

فانتازيا مبنيه علي أحداث حقيقية ” قطار الصعيد الذى إحترق في مصر عام ٢٠٠٢ م”

الكاتب/ مدحت صلاح

كَان يَنتظر غياب آخر ضَوء للنهارِ لينتهي من عملهِ اليومي ويجري إلى حافةِ الحَقل ليقف يُشاهد مُرور القِطَار كعادتهِ كل يوم ، فتي قَروي قد تَجَاوز مَرحلة الطفولة بالكادِ وها هو يقف علي عتباتِ الشباب ، لم يُغادر قريته ابداً ولكنه يسمع الكثير عن العالم الخارجي يسمع ما يُبهرهٌ و ما يُخيفهٌ ايضاً. كان يحَلُم بركوبِ القِطَار هذا الكائن الخُرَافي المصنوع من الحديدِ ليُشاهد العالم كما يتصور.

ها هو يقف منتظراً مُرور القِطَار كعادتهِ كُل يوم عِند مَغيب الشمس ولكن هذه المرة مُختلفة ، كان قد لاحظ مِن قبل ان القِطَار يُهدئ من سرعتهِ عِند نقطةٍ بعينها ، و هذا اليوم قَرر ان يلحقه و يُحاول أن يركبه ، فلم يكن يتوقف اي قِطَار ابداً في بلدتهِ تلك القرية الصغيرة النائية على مَشارفِ الصعيد. هاهو القِطَار قد اتى يسمعُ صَفيرهٌ و ضجيجهٌ وها هو يستعد بكُلِ قوته للجري لمْ يكن يَعنيه اين سيذهب و لا كيف يعود المُهم ان يركبه .  تجاوزه القِطَار وهو خلفه يجرى بكًلِ مَا أوتي من قوةٍ حتي تمكن من بلوغ آخر عرباته و إستطاع اخيراً التشَبث به ، دخل إلى القِطَارِ من الباب الخلفي و وقف قليلاً يلتقط انفاسه فى عربةٍ باردة شبه مُظلمة مُزدحمة تعج بالكثيرِ من البشر ، ما بين نائم ومستيقظ و الكثير من الامتعة المتكدسة علي الأرفف و فى الطرقات.

كان الجو كئيباً مُشبع بالرطوبة ، خانق من كثرةِ المدخنين و رائحة العَرَق ، و لكنه كان يَشعرُ بالسعادةِ مُفعم بروحِ المُغامرة ، اخذ يستمع للحكايات من حوله هذا رجل و زوجته و معهم إبنتهم العَروس كانوا في المدينة لشراءِ لوازم جِهَازِها و هذا مُجَند عائداً لبلدته لقضاء اجازة العيد الذي إقترب ، وآخر موظف انتقل حديثاً ، و مجموعة أخرى من عُمالِ التراحيل ، أخذ يبحث عن مِقعد شَاغر فلم يجد و قرر ان يذهب إلى عربةِ اخري و ان يُكمل إكتشافاتهِ .
عَربة تلو الاخري كُلهن مُتشَابهات إلى أن عَثر اخيراً على مقعدٍ شَاغر بجانبِ شخص يبدو نائماً و فرح كثيراً ، ولكن عندما ذهب اليه عَرِفَ السبب كان غيرُ نظيفاً رائحتهِ كريهة وكأن طفل قد قضي حاجته عليه للتو ، ولكن لمْ يشغله هذا فلم يكن من معتادي الرفاهية  و تناول ورقةِ اشدُ قذارةٍ مِن على الارضِ و مسح المِقعد و جَلس بجوارِ النافذة يَرمقُ الحقولَ والاشجارَ التي تمُر سريعاً بغيرِ وضوح ، وإذ فجأة يُفتح باب العربة و يرى مُفتش القِطَار ، هبط قلبهُ إلى قدميهِ فلم يكن معه ما يكفي لشراءِ تذكرة ، اخَذَ المُفتش يمُر بالمقاعدِ قبله ، بينما هو يغوصُ في مقعدهِ حتي وصَل إليه طلب تذكرة الشخص الجالس بجوارهِ و الغريب انه لم يلتفت له علي الاطلاقِ و مَر !

التقط انفاسه وسَأل الشَخصَ الذي بجوارهِ إلى أين يذهب هذا القِطَار و لكن الغريب أيضاً انه لم يلتفت إليه و تجَاهله! تكررت نفس المشاهد التي يراها و يسمعها فقرر مرة أخرى أن يُكمل رحلته إلى داخلِ القِطَار لعلهٌ يُشاهد جديدا. إلى أن وصل إلى عربةِ مُظلمة باردة بفعل نوافذها المُتكسِره و مقاعدها التي كانت على نفس الحالة ، كانت العربة خاليه إلا من شخصينِ إتخذا من العربةِ وكراً لهما ليدخنا الحشيش ، خاف ان يتحرك فيشَعُران به ويؤذوه ولكن فجأة وطأ بقدمِه مقعدًا مُتكسرًا فأصدر صوتاً عالياً ، التفت سريعاً الشخصان تجاههٌ ولكن لم يعيروه إهتماماً، أوعز الأمر إلى انه مُجرد فتى صغير او بسبب ما كانوا يدخنونه ، بينما سمع أحدهم يقول للآخر لقد انتهينا هيا بنا إلى حَيثُ الناس فقد بدأت اشعر بقشعريرةٍ مِن هَذه العَربة ، صمت قليلاً ثم أكمل : ناهيك عن انهم يتحدثون عن شَبح طفل يجوب هذا القِطَار ليلاً وَ ضحك ضحكةً مُخيفة و مَرا بجانبه دون ان يبدوا عليهما أنهما لاحظا وجوده!

وقف بمفردِه وَ قد شدّته عِبارتهما، أولاً لم يلاحظه مفتش القِطَار ! ، لم يسمعه الشخص بجوارهِ وتجاهله! والآن هذان الشخصان و حديثهما !. لم يطل تفكيره إذ سمع فجأة صراخًا و عَويلًا و ضجة كبيرة. جرى مُسرعاً ليستطلع الامر ، كانت النار تنتشر في القِطَارِ و الركاب في حالةِ من الفزعٍ يُحاولون الفرار بكسرِ النوافذ او بالقفزِ من الأبواب بينما تَلتهمٌ النيران بعضهم ، حاول الجري بعيداً إلى داخلِ العربات الاخرى وبينما هو يجرى يطأ بقدمِيهِ جثثاً مُتفحمة تَفوح منها رائحة الصديد و الجلد المُحترق ، كيف هذا و النار مازالت خلفه! لم يشغل بالهٌ حِينها المُهم أن يقفز مِن هذا القِطَار، و بالفعلِ إستطاع أخيراً القفز مِن أحد الأبواب ، سَقط و هو يشعر أن ألف عظمة في جسدهِ قد تهشمت، و فقد الوعي.

فتح عينيه على بضعةِ أشخاص من حوله، أحدهم يحمل مصباحاً و يرتدي الزي المميز لعُمَالِ السكك الحديدية والذى بادره قائلاً :
– الحمد لله ، مَا هذا يا بني هل تعثرت في القضبانَ وسقطت؟ أم أنك تُحَاول الإنتحار بالنومِ في طريقِ القِطَار.!؟ صمت قليلاً و بعد أن تمالك نفسه و تذكر ، حكى لهم ما حدث. فضحك عامل السكة الحديد قائلا:  لابد أنك وقعت على رأسك و تهذي فلا يَمُر ابداً قِطَار في هذا المَوعِد مُذ سنوات عِدة وآخر قِطَار حدث له هذا هو قِطَار الصعيد الذي احترق مُنذَ مَا يزيد على خمسةِ عشر عاماً..!!

هل وقع فعلاً و اصطَدمت رأسه..!! هل كان واهماً ..! وقف ينفض التراب مِن على جلبابهِ و يمضي ، وإذ به يرى أطرافه مُحترقه..!!!

 

_________________________________________

المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة ادناه تفضلوا بالمتابعة :

تويتر

انستقرام

https://instagram.com/golden_press2030?igshid=1m8h0ed7reras

فيسبوك

https://www.facebook.com/GOLDENPRESS2030/

لمزيد من الأخبار المنوعة تفضلوا بزيارة موقعنا ادناه .

Www.goldenpress.news

 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: