معزوفة هاربة.. “قصة قصيرة”

مشاري الوسمي

رئيس التحرير

@smoh_2010

في ليلة حالكة، تشبه غيرها من ليالي الخريف، متقلبة المزاج، لا أمان لها، وعلى صوتٍ خفيف صادر من تلفاز مهمل في زاوية بعيدة، كنت أتصفح أوراقي، وبين الورقة والأخرى يشرد ذهني، تتشاجر أفكاري، فتشتت انتباهي عمّا حولي .

أُضيئت السماء، وعلا صوت هدير الرياح، وقصف الرعد أجواء البشر، مبددًا الهدوء، مغيرًا مخططات الناس، تركت مقعدي واقتربت من النافذة، أتأمل عطايا الله على شكل قطرات المطر، التي تحيي الأرض و تملؤها عبيرًا .

مكثتُ متأملاً هذا المنظر لبرهة، فإحساسي بالزمن لم يكن مهمًا في هذا الوقت من اليوم، فهو ملكي، وكان بيتي ذا الطابق الواحد، لا يخجل من إيصال جميع الأصوات الصاخبة، وحتى الهادئة خلال جدرانه العتيقة .

لكن جرس الباب أنقذني من أفكاري، و أيقظني من سباتي العقلي، فاتجهت نحوه بخطواتٍ ثقيلة، تنم عن الضجر من الطارق، بهذا الوقت الذي ينغص راحتي، ويقطع حبال أفكاري.

فتحت الباب منكسًا رأسي ونظراتي مركزة بالأرض، فوقعت عيناي على حذاء سيدة، رفعت نظري ولم أتبينها، كان شعرها يغطي نصف وجهها من البلل، وقبل أن أفتح فمي وأتفوه بكلمة قالت لي : لقد تعطلت سيارتي ونفد شحن هاتفي، لم أجد سوى أنوار منزلك أمامي .

فهمت من كلماتها المتعلثمة أنها بحاجة لمساعدة عاجلة، أفسحت لها الطريق و دعوتها للدخول، فرحت بهذا العرض، وكأنها طفلة بالعيد جنت أموالاً وحلوى أكثر من أقرانها، جلبت لها مناشف وبعض الملابس التي قد تفيد في حالتها .

دخلت الحمام، وبعد برهةٍ خرجت، نظرت لها وتسمرت عيناي على صنع الخالق في تفاصيلها، مرت لحظة أو لحظات أو سنوات، لا أعلم، لكنني أدركت سوء فعلي وأشحت بوجهي إلى الناحية الأخرى .

لم تكن حقيقية؛ بل كانت معزوفة هاربة من عالم مخملي الصنع، باهي الألوان، كريشة فنان وضع حب الأرض بنعمة السماء فتكونت هيَّ ، وأنا قبلة العاشقين و مزارهم، فكيف أصف مالم أرَ شبيهه في الدنيا ولم يتوارثه الخلائق عبر الزمان .

انتظرت لحظات، تبادلنا أطراف حديثٍ عذب، كلماتها كالبلسم للروح، نظراتها شفاءٌ من جراح حروب الزمن، ونعومتها قصيدة لم تكتمل بعد . لم تبقَ طويلاً، فقد هدأت السماء، توقف المطر، عاد الليل لسكونه، فقررت الرحيل، لكنني لم أطق صبرًا وسألتها من أنتِ ؟

فقالت: معزوفة تاهت حتى التقينا .

دمتم بحب، ودامت قلوبكم تعزف بما تُحب .

رئيس التحرير

رئيس التحرير

One thought on “معزوفة هاربة.. “قصة قصيرة”

  • 10 أكتوبر 2020 at 3:17 م
    Permalink

    ف كُل مرة انت تُدهشنا …وتُظهر لنا جماليات الأحرف بطريقة مُبهره ومتناغمة ..حتى تصنع لنامعزوفة تروق لنا ..وترتقي بذائقتنا .. أبدعت وحسبك 😍👍🏻👏🏻

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: