فن الهروب.

الكاتبة/ ريم عبدالباقي _جولدن بريس

الشّعورُ بالخطرِ واتِّخاذُ الوضعيّةِ الدّفاعية أو الهروب في الوقت المناسب، من أقوى الغرائز في الكائنات الحية، وأكثرها بدائيةً..

حتى أبسط الكائنات على وجهِ الأرض خُلِقَتْ بتلك الغريزة التلقائية الأساسية، التي تعمل بمجردِ أن يستشعرَ الكائنُ الحيُّ وجودَ خطرٍ يهدِّدُهُ بأيّ شكل، فيحفز ذلك الشعور أدواته الدفاعية أو وسائل هروبِهِ من ذلك الخطر.. إذا كان الأمر كذلك، فلماذا فقدنا نحنُ البشرَ ـذلك الفنّ؟؟ نحن الكائنات الأكثر تطورًا ورقيًّا وسموًّا على وجه الأرض كما يُفْتَرَض، لماذا فقدنا تلك الغريزة البسيطة الأساسية؟!

لقد فقدناها كما يَفْقِدُ حيوانُ السّمندلُ حاسةَ النّظر، لطول حياته في ظلامِ الكهوف، ولكن حتى السمندل ورغم الضمور الذي أصاب عينيه، مازال قادرًا على استشعار الخطر بحواسّهِ الأخرى، والتصرف تجاهَهَا بما يضمنُ سلامته. ولكننا وللأسف لم نعد قادرين على ذلك.

ننجرف للأشخاص الخطأ والتصرفات الخطأ، ونستمر في العلاقات الخطأ، رغم أن كلَّ خليةٍ في عقولنا تحذرنا، وتُطْلق كلَّ أبواق التنبيه وصَافِرَات الإنذار، ولكننا نتجاهلُها، ونستمر حتى نصلَ إلى حافةِ الجرف، عندها _فقط ـ ننظر لما تحت أقدامنا..!! لنفاجأ بالهاوية السّحيقة التي نوشك أن نسقطَ فيها، قد يسعفُ البعضَ منا بقايا غريزةِ الهروب من الخطر في الوقت المناسب، فيتراجع خطوةً أو خطوتين، ويبدأ في تقييم خطواته بعد ذلك حتى ينقذ نفسه، ويبتعدَ عن حافةِ الجرف. وهؤلاء هم المحظوظون منّا. لأنّ بعضنَا الآخر قد يشلّهُ الخوفُ، ويبقى قابعًا في مكانه ينتظر أن تتفتت الأحجارُ تحت قدميهِ، ويسقط أو يصيبَهُ الفزعُ فترتبك خطواتُهُ ويسقط أيضًا.

ندخن ونتلذذ أثناء احتراقِ أجسادِنِا، ونتعافى بوهم الشّبابِ والصِّحّةِ، وحين يبدأ جسدُنَا بالاعتراض ونفخ أبواقِ الخطَرِ نفزعُ ونتوقفُ ونلتزم بالعلاج حتّى إذا ما شُفِينَا عُدْنَا مرةً ومرتين وثلاث و…. ولا يخفى على أيٍّ منّا أن السمنة المفرطة لها مخاطرُ جَمّةٌ، وقد تصل إلى حد تهديد الحياة، ولكننا لا نتوقف لنفكر في ذلك، رغم كثرةِ الإنذاراتِ التي تطلقُهَا أجسامُنَا إلا عندما نصل إلى حَافّةِ الجُرْفِ. وغيرُ ذلك وغيره وغيره.. حتى في العلاقات لا يختلف الأمر..

نخوضُ علاقةً ما.. أيًّا كانت.. حب، صداقة، زواج، أو حتى عمل، وتبدأ مؤشراتُ الخطر بالظهور، ولكننا نتجاهلها، ونستمرُّ في محاولاتِ إيجادِ الأعذار للاستمرار، أو في محاولات ترميمٍ عقيمة لعلاقة سامّة قد تودي بنا في النهاية إلى ذات الجُرْفِ المتهالك،
ولكننا نتجاهل ذلك كله…. نتجاهل حَدْسَنَا، ونستمر حتى نصل إلى حافة الجُرْفِ بإرادتنا المطلقة، وكالعادة قد ينقذنا الحظُّ قبل آخر خطوةٍ، أو قد نسقط من تلقاء أنفسنا أو بدفعة أخيرةٍ قاتلةٍ مِنْ مَنْ كنا نتجاهلُ تحذيراتِ الخطر من أجلهم..

وَقِسْ على ذلك كلَّ ما اعتدنا فعلَهُ في هذه الحياة، وكأنّ الحكمةَ السّائدةَ هي “مايقتلني يُشْعِرُنِي بالحياة”. لَيْتَنَا بالفعل نثقُ في حَدْسِنَا، وفيما أودعهُ الله فينا من غرائزَ بدائيّةٍ وأساسيّةٍ، لنستشعرَ الخطر ونهربَ منهُ بلا تَرَدّدٍ، ففي بعض الأحيان يكون الهروبُ هو قمةُ الشَّجَاعَةِ.

المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة ادناه تفضلوا بالمتابعة :

تويتر

انستقرام

https://instagram.com/golden_press2030?igshid=1m8h0ed7reras

لمزيد من الأخبار المنوعة تفضلوا بزيارة موقعنا ادناه .

Www.goldenpress.news

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: