قراءة العقل

د. محمد علي، جولدن بريس

صورٌ شتّى قد يَعْجَزُ عقلُ الإنسانِ عن تفسيرِها وفهمِهَا؛ نَرَاهَا قمةَ القسوة، ثم يتّضحُ لنا أنها الرحمةُ في أسمَى صورِهَا..

ولا يغيبُ عنَّا ما سَرَدَهُ القرآنُ الكريمُ عن سيدنا موسى والخَضِر، فكان خرقُ السفينةِ قمةَ الرحمةِ في ثوبِ القسوة، وكيف لعاقلٍ يحملُ في قلبِهِ ذرةً من رحمةٍ أن يَخْرِقَ سفينةً يقتاتُ عليها وبها مساكينُ يعملونَ في البحر؟! فكان الخرقُ رحمةً وبناء؛ بل إنّهُ قمةُ البناءِ والعطاء، وقصّةُ قتلِ الغلامِ؛ وهو أمرٌ أَفْزَعَ موسى نبيَّ الله؛ وَآلَمَ وَالِدَيْ الغُلام؛ فهل لعاقلٍ رحيمٍ أنْ يقبلَ بقتلِ غُلامٍ لا جُرْمَ ارْتَكَبَهُ ولا ذنبَ جَنَاه؟! لكنَّها الرحمةُ في صورةِ القسوةِ التي يَعْجَزُ العقلُ عن فهمها أو إدراك مرادِهَا؛ لأنَّ للعقلِ البشريّ حدًّا في الفهم والإدراك لا يتجاوزُه.

وكيف يغيبُ عنَّا ما حَدَثَ ليوسفَ عليه السّلام؛ فإلقاؤُهُ في الجُبِّ هو قمّةُ القسوةِ على حساباتِ البشر وإدراك العقل؛ لكنَّهَا رحمةٌ كبرى أَنْقَذَتْهُ من القتل؛ (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ)، وغَيَابَةُ الجُبِّ تعني ما غَابَ وأظلمَ من البِئْر، وهو منظرٌ مخيفٌ مُوجِع، والجُبُّ بضمِّ الجيم البئرُ المطويَّة، فلو أنَّ أحدًا سَمِعَ بهذا؛ لقال: أينَ الرحمةُ في إلقاءِ طفلٍ في مكان كهذا؟ لكنها نظرةٌ قاصرةٌ تَتَعَلَّقُ بالقراءةِ القاصرةِ للعقل البشري، ويظل المتأمِّلُ يقول: كيفَ؟! كيف؟! كيف؟!

ومن ثمَّ فكلُّ ما يدورُ حَوْلَنَا، وما نتعرَّضُ له من أوجاعٍ ومصاعبَ وأذًى؛ سواء من قريبٍ أو بعيدٍ، قد يكون رحمةً أَنْقَذَتْ أرواحًا من مصائرَ وخيمة. فليس كلُّ ألمٍ أو فُرْقَةٍ أو خَسَارَةٍ ـ إذًا ـ هي كما صوَّرَها العقلُ بأنَّهَا القسوةُ والضَّيَاع؛ فلربما هي يدُ الله الحَانِيَةُ جَاءَتْ لتحملَكَ إلى غدٍ أرحبَ، ومكانٍ أفضلَ، ورزقٍ أوسعَ، ونجَاةٍ أكِيدةٍ، وطُمَأنِينَةٍ دائِمَة…

مشاهدَ شتَّى نقرَؤُهَا ونرَاهَا على خِلافِ ما أرادَ اللهُ تعالى، ولا لومَ علينا فنحن بشر، فكم من مكلومٍ ومظلومٍ يَظُنُّ أنَّ ما أَلَمَّ وحدثَ له هو القسوة، وهو لا يعلمُ أنَّ بقاءَهُ في هذا المكان أو مع هذا الشخص كان أبلغَ قسوة وأشدَّ دمارًا؛ بل وربما هو الهلاكُ بعينه له ولِمَنْ حَوْلَهُ وَلِمَنْ يُحِبّ؛ فكانتْ يدُ الله له نجاة..
وصدقَ اللهُ جلَّ ثناؤُه: “قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهِ، وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ”… فلتكنْ قراءةُ العقلِ حاضرةً؛ وقراءةُ القدرِ ماضية…

المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة ادناه تفضلوا بالمتابعة :

تويتر

انستقرام

https://instagram.com/golden_press2030?igshid=1m8h0ed7reras

لمزيد من الأخبار المنوعة تفضلوا بزيارة موقعنا ادناه .

Www.goldenpress.news

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: